أحمد بن محمد المقري التلمساني
10
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب
قطب مدارها ، ومقام حجّها واعتمارها ، فسلك الوعور « 1 » من المعارف والسّهول ، وبذّ على حداثة سنّه الكهول « 2 » ، فلمّا تحلّى من الفوائد العلمية بما تحلّى ، واشتهر اشتهار الصباح إذا تجلّى ، تنافست فيه همم الملوك الأخاير ، واستأثرت به الدول على عادتها في الاستئثار بالذخائر ، فاستقلّت بالسياسة ذراعه ، وأخدم الذوابل والسيوف يراعه ، وكان عين الملك التي بها يبصر ، ولسانه الذي يسهب به أو يختصر . وقد تقدّمت له إلى هذه البلاد الوفادة ، وجلّت به عليها الإفادة ، وكتب عن بعض ملوكها ، وانتظم في عقودها الرفيعة وسلوكها ، وله في الآداب الراية الخافقة ، والعقود المتناسقة . ومشيخته حافلة تزيد عن الإحصاء ، وشعره منحطّ « 3 » عن محلّه من العلم والشهرة ، وإن كان داخلا تحت طور الإجادة ، فمن ذلك قوله : [ الطويل ] تراءى سحيرا والنسيم عليل * وللنجم طرف بالصباح كليل « 4 » وللفجر نهر خاضه الليل فاعتلت * شوى أدهم الظلماء منه حجول « 5 » بريق بأعلى الرّقمتين كأنه * طلائع شهب في السماء تجول فمزّق ساجي الليل منه شرارة * وخرّق ستر الغيم منه نصول « 6 » تبسم ثغر الروض عند ابتسامه * وفاضت عيون للغمام همول ومالت غصون البان نشوى كأنها * يدار عليها من صباه شمول « 7 » وغنّت على تلك الغصون حمائم * لهنّ حفيف فوقها وهديل « 8 » إذا سجعت في لحنها ثم قرقرت * يطيح خفيف دونها وثقيل « 9 » سقى اللّه ربعا لا يزال يشوقني * إليه رسوم دونها وطلول
--> ( 1 ) في ب « الوعوث » . ( 2 ) بذّ الكهول : سبقهم . ( 3 ) منحط : ساقط . ( 4 ) كليل : ضعيف . ( 5 ) الشوى ، بفتح الشين : الأطراف ، وأراد قوائم الفرس الذي شبه الليل به . والأدهم : الأسود . والحجول : بياض في قوائم الفرس . ( 6 ) ساجي الليل : هادئه . ( 7 ) الشمول - بفتح الشين - الخمر . ( 8 ) الهديل : غناء الطير . ( 9 ) قرقرت : رددت الصوت .